لا أعرف إن كان من حسن الحظ أم من سوء الحظ أننى نشأت فى أسرة كل نسائها تقريباً من ذوات الشخصيات القوية والمؤثرة فى محيطهن .... لدرجة أننى وأنا صغيرة كنت أعتقد أن هذه طبيعة الامور وهذا ما يجرى مع كل الناس وهو أن تكون المرأة بهذا الحضور والذكاء والكلام الموزون والرأى المسموع وكل هذا مع إحتفاظها بجانب كبير جداً من جاذبيتها وأنوثتها فى أغلب فترات حياتها و إحتفاظها أيضاً بحب زوجها ووفائه لها الذى لا أجد له مثيل فى هذا الزمن.... ولعل المثال الصارخ فى حياتى على هذا والذى أحب أن أحكى لكم عنها اليوم هى جدتى لأبى رحمها الله ...,,
ورغم أننى لم أعاصر هذه السيدة كثيراً فقد توفت وأنا على أعتاب المرحلة الإعدادية إلا أننى كنت دائماً ما أنبهر بها ومن قدرتها على إحتواء أشد المواقف صعوبة والتى تصعب حتى على أعتى الرجال أن يتحملوها وليس هذا فى ما يختص بحياتها وحياة أسرتها فقط ولكن أيضاً فى حياة كل المحيطين بها ومن يسعده الحظ ويتعرف على هذه الإنسانة المعطاءة ... المتفانية فى حب البشر إلى أقصى درجة ...
كنت أرى الناس يتوافدون عليها ....من فى عينيه دمعة يداريها ويأبى أن تنهمر إلا أمامها.... ومن تطل من نظراته الحيرة ويتلهف بشوق للحظة لقائها حتى تنتهى حيرته.... ومن يشتعل غضباً وثورة أراه إستحال إلى ملاك فى ثوانى بعد سماعه كلماتها التى هى أشبه بالماء التى تطفئ النار... هذه المرأة النصف أميه والتى كنت أقرأ ما تخطه يداها من كلمات ركيكة لتدون كم الأمانات التى تحتفظ بها لناس لا نعرفهم ولا يمتوا لنا بصلة إلا صلة الخير والعطاء المتدفق من هذه السيدة نحوهم ...وأتذكر أيضاً درسها لى والتى لقنتنى إياه من غير كلمات على الإطلاق وذلك عندما كنت أصطحبها فى أحد المرات وكنا نسير فى الشارع وإذا بى أمشى مطأطأة الرأس كأى طفلة خجولة فى الثامنة من عمرها وإذا بها تتلفت إلى وفى عينيها نظرة غاضبة مستنكرة ثم تعود وترفع رأسها وقامتها وكأنها تقول لى لا تمشى أبداً على هذه الهيئة المخزية الذليلة ولتمشى دائماً على هذا النحو....ووجدتنى رغماً عنى أتمثلها فى مشيتها وإعتزازها بنفسها من غير كبر أو غرور ومن يومها تعلمت ليس فقط ان أمشى معتدلة القامة مرفوعة الهامة ....لا.... أن أتلمس الأسباب أيضاً التى تجعلنى أمشى على هذا النحو....
ليرحم الله هذه المرأة العظيمة بقدر ما أعطت وقدمت للناس من خير وبقدر ما تعلمت منها أشياء وأشياء تسكننى وأعتز بها ما بقى لى من عمر....,,
(ليرحمك الله يا جدتى)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق