الأربعاء، 3 أبريل 2013

فرض البيكتوغراف - ضرورة أخلاقية

فرض البيكتوغراف - ضرورة أخلاقية


كتب رياض مصطفاوي

بعد الإنفجار الإعلامي الذي شهده العالم في العشر سنوات الأخيرة، تراجعت تكاليف إنشاء قنوات تلفزيونية فضائية، فمسألة إنشاء قناة تلفزيونية كانت قبل 20 سنة من الآن بمثابة الحديث عن إنشاء مجمع صناعي ينافس الماركات العالمية للسيارات، فالقناة التلفزيونية كانت تتطلب استثمارا يفوق الخيال، وغالبا لم تكن لها جدوى إقتصادية، فالمصاريف أكبر بكثير من المداخيل، لذلك كانت أهدافها سياسية وتربوية تسعى لتوجيه الرأي العام.

ولشرح ذلك يكفينا مثالا أن دولة موريتانيا التي استقلت سنة 1960 لم يتأسس التلفزيون بها إلا سنة 1982،وبتمويل عراقي كهدية من نظام صدام حسين، وكان يبث مجرد بث تجريبي من مبنى الإذاعة إلى غاية سنة 1984 أين انتقل لمبناه الجديد، ورغم أن التلفزيون الموريتاني دخل الإعلام الفضائي سنة 1992، إلا أنه لم يكن يبث إلا 4 ساعات في اليوم، ولم يتمكن من البث على مدار ال 24 ساعة إلا سنة 2005.

في بدايات الإعلام الفضائي كان كراء تردد على أيقمر صناعي مكلف جدا، ولم تنخفض التكلفة إلا بعد ظهور نظام البث الرقمي الذي يمكن عدة قنوات من البث في باقة على نفس التردد، وهو ما يمكن القمر الصناعي من احتواء آلاف القنوات، عكس النظام التماثلي الذي يفرض على القنوات البث على تردد منفصل ومتباعد لكل قناة.

ثم ظهر نظام جديد يسمى قنوات السلايد (الشرائح)، وهو نظام لا يتطلب إلا وجود البرامج المراد بثها على جهاز كمبيوتر، ويتم التحكم فيها وبرمجتها من طرف شخص واحد، ولا تتطلب تجهيزات غالية، حيث أغلى ما في الأمر الأإشتراك في تردد لأي باقة تلفزيونية رقمية، وهذه التقنية جعلت تكاليف التلفزيون تنخفض مئات المرات

مع انخفاض الأسعار وتبسيط إجراءات إنشاء قناة تلفزيونية وتحول العملية لمسألة تجارية يحكمها العرض والطلب بسعي الشركات المالكة للأقمار الصناعية لاستضافة أكبر عدد ممكن من القنوات، شهد الفضاء التلفزيوني تدنيا أخلاقيا يكتسح بيوتنا ويجر عقول عائلاتنا إلى الخراب، فالتلفزيون يدخل البيت دون استئذان.

في أوروبا، التي تعتبر الفاحشة من الحريات ومن الإبداع، لم تسكت الحكومات على هذا الأمر، فقامو بفرض قوانين صارمة جدا على البث التلفزيوني تتعلق بحماية الآداب العامة وأخلاق الشباب والأطفال.

فتم تقسيم البرامج التلفزيونية في أوروبا إلى 5 فئات:

الفئة الأولى:
هي فئة البرامج الموجهة لكل الجماهير، وهذه البرامج لا تتطلب أية إشارة خاصة أو تنويه

الفئة الثانية:
هي فئة البرامج التي تتضمن مشاهد أو مواضيع (ولو لفظية) قد تمس مشاعر وأحاسيس الأطفال، هذه الفئة من البرامج يسمح ببثها حتى في النهار، بشرط أن لا تبث في القنوات الخاصة للأطفال، ولا في برامج الأطفال، ولا بين برنامجين مخصصين للأطفال، ويفرض على القناة التي تبثها وضع بيكتوغراف Pectograph (رسم صوري) مكتوب عليه (-10) طيلة وقت بث البرنامج.

الفئة الثالثة:
هي فئة البرامج التي قد تتسبب في اضطراب معالم شخصية الأطفال الذي لا يتجاوز عمرهم 12 سنة، وهي البرامج التي فيها إفراط في العنف أو استحضار للنشاط الجنسي للبالغين، وهذا النوع من البرامج يمنع بثه قبل الساعة العاشرة ليلا على القنوات المجانية الغير مشفرة، لكن يمكن الحصول على استثناء لبثه بعد الساعة الثامنة ونصف ليلا بالحصول على رخصة خاصة شرط أن يكون ذلك بالنسبةللبرنامج الغير دوري، ويفرض على القناة التي تبثها وضع بيكتوغراف Pectograph (رسم صوري) مكتوب عليه (-12) طيلة وقت بث البرنامج.

الفئة الرابعة:
هي فئة البرامج التي قد تسبب إضطرابات معالم الشخصية لدى الأطفال الذين لا يتجاوز عمرهم 16 سنة، وهي البرامج التي تتضمن مشاهد جنسية أيروسية (غير إباحية) أو مشاهد عنف مثيرة ومؤثرة على شخصية المشاهد، وهذا النوع من البرامج لا يمكن أبدا بثه قبل الساعة العاشرة ونصف ليلا، ويفرض على القناة التي تبثها وضع بيكتوغراف Pectograph (رسم صوري) مكتوب عليه (-16) طيلة وقت بث البرنامج.

الفئة الخامسة:
وهي فئة البرامج والأفلام الممنوعة نهائيا من العرض العام، وتشمل الأعمال الإباحية والبرامج التي فيها قدر كبير من العنف، وهي البرامج التي تؤثر سلبا على القوة والإستقرار الجسدي والمعنوي والعقلي للشباب الذين لا يتجاوز عمرهم 18 سنة، وهذه البرامج يرخص فقط للقنوات المشفرة المدفوعة ببثها، ويرخص لها فقط ببثها بين منتصف الليل والساعة الخامسة صباحا، وهذا النوع من البرامج لا يمكن أبدا بثه قبل الساعة العاشرة ونصف ليلا، ويفرض على القناة التي تبثها وضع بيكتوغراف Pectograph (رسم صوري) مكتوب عليه (-18) طيلة وقت بث البرنامج.

بالنسبة للفئات 2، 3، 4، 5 التي تتطلب عرض بيكتوغراف، يفرض القانون على القنوات أن تبث العبارة التالية في الدقائق الأولى من البرنامج (هذا البرنامج ممنوع على الذي تقل أعمارهم عن .... سنة)، حسب فئة البرنامج، وذلك يعتبر زيادة في التنبيه والتحذير والتحسيس.

هذه هي القوانين في أوروبا حرية التعبير، فماذا أعددنا نحن العرب من قوانين تحمي أطفالنا من الإفساد الأخلاقي؟ إن استخدام البيكتوغراف يسمح للأولياء بمعرفة إذا كان هذا البرنامج موجه لكل العائلة أو لجزء منها، ويعرفهم محتوى البرنامج دون مشاهدته، لكن قنواتنا التي تبدأ بثها الصباحي بالقرآن الكريم تبث البرامج بعشوائية مدرمة للأخلاق والقيم، فصارت أقمارنا الصناعية تبث قنوات الرقص الإباحي والأفلام المثيرة للجدل وقنوات الإتصالات الجنسية، كل ذلك على مدى الأربع وعشرين ساعة ودون الإشارة ولو بمجرد بيكتوغراف بسيط إلى أن محتوى البرنامج يشكل خطرا على الأطفال، والتمادي يصل ببعض القنوات لحد التباهي بأنها تبث الأفلام بمشاهدها الممنوعة دون حذف.

إن الأمر يستدعي الوقوف عنده وبرمجة قانون يفرض على القنوات العربية استخدام وسائل التحذير وإجبارها على ذلك وإذخال هذا الموضوع في أشغال إتحاد الإذاعات والتلفزيون العربية في دوراته المقبلة، ويسعنا أن نشكر بعض القنوات من تونس والمغرب على التزامها بتلك المعايير من تلقاء نفسها، فتجدها تحذر المشاهد ببيكتوغرافات طيلة البرامج التي تحتوي برامج عنف.

إن أطفالنا يتعرضون لهجوم عشوائي على أخلاقهم من قنوات عربية، والهجوم العشوائي أخطر بكثير من الهجوم المنظم، ولا بد من حماية أخلاقهم بقوة القانون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق